مبحث الذكاء

Posted: أبريل 26, 2011 in مبحث الذكاء, ساحة الطلاب

 

  • Ø     تعريف الذّكاء

حتى القرن السابع عشر، رفض معظم الفلاسفة التحدث عن ذكاء عند الحيوان حتى إن “ديكارت” ذهب الى تشبيه الحيوان بالآلة فهو “كالساعة احسن رباطها”. وهكذا يبقى الانسان الكائن الوحيد الذي يتمتّع بنعمة الذكاء.

اما علم النّفس الحديث فيعرّف الذّكاء بأنّه عمليّة تكيّّف، اي ان الكائن الحي الذّكي هو الذي لديه القدرة على اختيار الوسيلة المناسبة لتحقيق هدف معيّن. ولكن الا يمكننا من خلال هذا التّعريف ان نتكلّم عن وجود ذكاء في السّلوك الغريزي، والتّكلّم عن ذكاء عند الحيوان كما عند الانسان؟ وبالتّالي ما هي الخصائص التي يمكن ان تفرّق بين ذكاء الحيوان وذكاء الانسان؟ وما الذي يميّز ذكاء الانسان؟

  • Ø     الاشكاليّة الاولى: الذّكاء والغريزة

هل الغريزة مجموعة عمليات آليّة كما يقول “ديكارت”، ام انّها تتضمّن بعض التّكيّف والفهم؟

-         يتشابه الذّكاء والغريزة بالهدفيّة والغاية. فهما عمليّتان تحسنان اختيار الوسائل المناسبة من اجل تحقيق هدف معيّن. مثلا السنونو التي تحمل بمنقارها عيدان القشّ، تتصرّف كالبنّاء الذي يجمع ادواته ليبني منزلا. فبناء العش يشبه بناء المنزل من حيث الهدف والغاية.

ولكن وعلى الرّغم من هذا الشّبه، فالغريزة لا تعني ابدا الذّكاء، بل هناك نقاط اختلاف وتمايز متعددة بينهما.

-         يختلف الذّكاء عن الغريزة لكون:

  • الغريزة معرفة فطريّة بمعنى انّها لا تتطلّب اي تعلّم بل هي مرتبطة مباشرة بنضوج ونمو الخلايا العصبيّة والاعضاء. على سبيل المثال، حسب مراحل نمو النّحلة فهي عاملة، حارسة، حاضنة… اما الذّكاء فهو معرفة مكتسبة بمعنى انّها تستلزم التّعلّم. فالثّقافة تكتسب ولا يمكن توارثها بيولوجيّا، بينما بناء البيت، إلتقاط الفريسة، اجتناب الخطر هي عمليّات وراثيّة تتعلّق بالجنس والوراثة البيولوجيّة عند الحيوان.
  • الغريزة لا تتغيّر: فخليّة النّحل لم تتغيّر عبر الزّمن والعصور من حيث مقاييسها وشكلها ولم تتطوّر. بينما الذّكاء يتقدّم. الانسان مثلا ترك المغاور والكهوف ليسكن في ناطحات سحاب.
  • الغريزة جامدة متخصصّة: ففي المواقف الجديدة يكرر الحيوان سلوكا آليّا لا معنى له. إذا ادخلنا النّحلة مثلا في زجاجة فهي تدور وتدور دون ان تعرف الخروج من عنقها لأنّها محضّرة بطبيعتها ان تطير أفقيّا ولم تحضّرها طبيعتها لان تطير عاموديا. فالازهار التي تقطف النّحلة اريجها قريبة من الارض ولم ترَ النّحلة يوما زهرة تنبت عاليا في الغيوم. وهذا ما يعنيه “فولتير” بقوله : “النّحلة خارج خليّتها غبيّة كالذّبابة” مشيرا الى غبائها خارج وسطها الطبيعي الملائم للسلوك الغريزي. في حين ان الذّكاء يبدو وسيلة عامّة تسمح بالتّعلّم والتأقلم والتكيّف في مواقف جديدة غير معتادة.
  • الغريزة عمياء: انثى الدّبور مثلا، التي تصنع بيتها من الطّين لا تعمل على اصلاح الثّقب المستحدث في الاسفل بل تستمر في عملها وتضع بيضها الذي يقع دون ان تصلح الثّقب في الاسفل فيضيع الهدف. ويستمر عمل الحشرة حسب تسلسل آلاي لا تراجع فيه. في حين ان الانسان يعدّل سلوكه في مراحل عمله ويصلح اي خطأ طارئ مما يؤكّد ان عمله يتميّز بالفهم والمرونة.

-         غير ان الدراسات اثبتت ان الغريزة ليست بهذا الجمود. ومن المؤكد ان الحيوان يتلقّى بعض التعلّم. لذلك لا نستطيع ان ننفي كل تطوّر وتقدّم على الغريزة. فالغريزة تطوّر (هناك طيور من نفس النوع تغيّر فتحة اعشائها حسب حرارة الطقس، فتحة واسعة في الصّيف وضيّقة في الشتاء). والغريزة تتعلّم فحيوانات السيرك مثلا يروّضها المدرّبون على انواع من السّلوك تدهش المتفرّجين.

  • Ø     الاشكاليّة الثانية: خصائص الذّكاء الحيواني

إذا كان الحيوان يربط بين الوسيلة والغاية، اذا كان قادرا على ان يتعلّم ويتطوّر، فهو اذا يملك بعض الذّكاء. كيف يبرهن العلماء على وجود هذا الذّكاء وما هي خصائصه؟

لقد دلّت الاختبارات التي اجريت على انواع مختلفة من الحيوانات ان بعض الحيوانات تتمتّع بدرجة من الذّكاء. وهذا ما يؤكّده: “جانيه”، “غيوم” و”كوهلر”.

يقول “بيارون” و”جانيه” “اننا نجهل الحدود التي تفصل بين الغريزة والذّكاء”، مؤكّدا بذلك وجود حيّز لذكاء الحيوان.

اما “غيوم” فقد حدّد ثلاث درجات للذكاء الحيواني:

ü     المعرفة الغريزيّة: وهي نوع من التكيّف حيث ان حلول المشاكل الحياتيّة محددة في التكوين البيولوجي(ولكن هذا لا يعدّ ذكاء)

ü     المعرفة بالتجربة والخطأ: وهي نوع آخر من التكيّف حيث ان حلول المشاكل الحياتيّة يتوصّل اليها الحيوان من خلال التجربة والخطأ ويكون التعلّم نتيجة التكرار او التشريط الآلي(وهذا ايضا لا يعد ذكاء)

ü     المعرفة الحدسيّة: وهي نوع من التكيّف حيث انّ حلول المشاكل الحياتيّة توصف بالذّكيّة وهي خاضعة لثلاث معايير:

  • الادراك العام للموقف: حيث الفهم الكلّي للموقف من قبل الحيوان
  • فجائيّة الحلّ: حيث يصل الحيوان بطريقة فجائيّة للحلّ.
  • تعميم الوسيلة: فالشيمبانزي يستطيع استبدال العصا بعصا اخرى او بأداة مختلفة تشبهها كغصن الشجرة او عصا حديديّة يمكن استعمالها لنفس الغاية.

ولقد قام “كوهلر” باختبارات متعدّدة على انواع مختلفة من الحيوان وبخاصّة القردة لقياس ذكائها. فأظهرت هذه الاختبارات انّ سلوك الحيوان يتجاوز السلوك الغريزي. فقردة الشيمبنزي مثلا تمتلك قدرا من الذّكاء العملي؛ فهي قادرة على اكتشاف العلاقات المكانية بين الاشياء حين تستعمل مثلا قضيبا لتقريب طعام وضع خارج قفصها من خلال سياج، كما تغيّر عند الضرورة اتجاهه ليسهل إدخاله من خلال سياج، وإن تعذّر ذلك بسبب بعد المسافة فإنها تلتفّ من حول القفص بقصد الوصول الى الهدف؛ او تستعمل قصبة لإدراك هدفها في قرط موز متدل من السقف؛ وفي حال تعذّر الوصول الى هذا الهدف بسبب قصر في القصبة فإنها تشبكها بأخرى، او ترصف صناديق موضوعة في جوارها لتحقيق غرضها؛ فالمهم دائما ان تكون الادوات موجودة في المجال البصري للحيوان. ويبدو الشيمبانزي الاكثر ذكاء في تحقيق كل هذه الافعال. ويمكن اختصار الرّوائز التي اجراها “كوهلر” على الحيوانات من اجل تحديد مستوى  ذكائها بأربعة اساسيّة: – رائز الالتفاف – ازاحة العوائق – استعمال الادوات – روائز تحضير الادوات.

ويمكن اضافة خاصيّة اخرى للذكاء، وهي القدرة على التّعلّم، ونوعيّة التعلّم والسرعة في التعلّم اي سرعة اكتساب عادة جديدة بعد عدد من المرّات، يقل او يكثر، بحسب مستوى ذكاء نوع الحيوان او الفرد الحيواني داخل النّوع نفسه. نتيجة لهذه الروائز امكن تصنيف الحيوانات بحسب مستوى ذكائها: الاذكى من بينها هي الحيوانات الفقريّة اللّبونة (واذكاها القردة والشيمبنزي) والاقل ذكاء منها هي الحشرات غير القابلة لتعلّم اي شيء.

ان اكتشاف رابط بين عنصر وعنصر اخر، بين الوسيلة والغاية عند الحيوان هو حدسي intuitif مباشر، وسريع لا يتطلّب اي وقت ” للتأمّل او للتّفكير”. وهذا الرّبط لا يكون ممكنا عند الحيوان الا اذا كان الهدف والوسيلة مرئيين معا، وفي حقل ادراكي واحد اي في مشهد واحد، او في بنية واحدة “Gestalt”.

ونشير الى ان هذا النمط من الذّكاء الحيواني يماثل درجة ذكاء طفل في الثانية من عمره كما اثبتت تجارب مشتركة على الحيوان والانسان، علما بأنّ الحيوان المتمكّن من التّصور المكاني الحسي عاجز حتما عن تصوّر المجال الزّماني بأبعاده الثلاثة: الحاضر والماضي والمستقبل. فإن مثل هذا التّصور التجريدي مترابط مع اكتساب اللغة الذي يبدأ عند الطّفل في السّنة الثانية من عمره.

  • Ø     الاشكاليّة الثالثة: خصائص الذّكاء الانساني وبماذا يتميّز عن ذكاء الحيوان

إن خصائص الذّكاء الحيواني موجودة كلّها في الذّكاء الانساني في درجاته الحسيّة العمليّة. ولكن ثمّة فارقا في المستوى وفي النّوع.

-         فلقد لاحظ علماء النّفس مثل “كلاباريد” و “بياجي” بأنّ هناك ذكاء عمليّا لدى الانسان سابق للذكاء النّظري واللغة. فالطّفل بإمكانه حلّ المسائل العمليّة قبل ان يحلّها نظريّا فهو يحسن عدّ الاشياء الماديّة قبل ان يتعلّم العدد. وهكذا البدائي. والانسان استطاع استعمال الرّافعة قبل ان يصل الى نظريّة le plan incline مما يثبت انّ الذكاء العملي سابق للذكاء النّظري.

ولاحظ “برغسون” بأنّ الانسان الصّانع سبق الانسان العاقل l’homo faber a precede l’homo sapiens  ، لكنّ الذّكاء لا يمكن ان يظل ذكاء عمليّا فقط بل يجب ان يكتمل ويصبح ذكاء نظريّا قادرا على الابتعاد عن الواقع المحسوس لكي يدل او يرمز او يشير الى فكرة معيّنة. يقول “ماركس” في هذا السيّاق بأن ما يميّز المهندس المعماري الاقلّ مهارة عن النّحلة الذّكيّة المتمرّسة بأعمال القفير هو ان المهندس يتصوّر مسبقا في تصميمه قبل ان يجسّده في الواقع المحسوس. وهذا النّوع من الذّكاء  يعرّف بالفكر المجرّد او الفكر المفاهيميconceptuel.

هذا الفكر المفاهيمي يستعمل الكلمة واللغة التي تميّز الانسان عن الحيوان حسب رأي “ديكارت” “اللغة هي العائق الكبير الذي لا يستطيع اي حيوان تجاوزه”. واعتبر “هاملتون” بأنّ “الكلمات هي قلاع الفكر”.

-         من اهمّ خصائص الذّكاء الانساني: التّجريد l’abstraction واستعمال الرّموز والمصطلحات la symbolisation، ويتمثّل الذّكاء الانساني بالقدرة على استعمال المفاهيم les concepts.

والمفهوم هو فكرة عامّة مجرّدة لها صفة الشموليّة لذلك دعاها فلاسفة القرون الوسطى بالكليّات les universaux مثلا : الانسان – الحيوان – العدد – الصّدق – النّزاهة – الصّداقة…

والحيوان لا يتمكّن من الوصول الى مستوى المفهوم المجرّد بل يبقى على مستوى الصّورة الحسّية الماديّة. فالطّفل في سنواته الاولى لا يعرف سوى “الاشياء”. فهو يعرف مثلا خمسة اقلام ملوّنة لا الرّقم خمسة، هو يعرف اخوته ولكن لا يمكن ان يتصوّر نفسه “أخ” لانه لم يصل الى فكرة الاخوة “كعلاقة قرابة”.

الفكرة المجرّدة تعبّر عن امكانيّة إدراك الصّفات المجرّدة والعلاقات العقلية. فعلى الطّفل اجتياز مراحل كثيرة كي يصل اليها. بينما الحيوان لا يمكنه ذلك لانّه يبقى على مستوى الصّورة المرتبطة بالشّيء المحسوس. والصورة ليست مفهوما عقليّا اي ليست فكرة مجرّدة.

والمفهوم العقلي ليس مجموعة الصّور التي يعبّر عنها، بل هو العلاقة التي تتكوّن من خلال هذه الصور كلّها.

وحسب “باشلار” لا يمكننا التّكلّم عن المفهوم إلا عندما تختفي الصّورة الماديّة والحسوسة لترمز الى فكرة معيّنة ومجرّدة او لترمز الى علاقة محددة. ويمكننا ان نجد العديد من المفاهيم المجرّدة التي لا علاقة لها بأيّة صورة ماديّة. ففي الرّياضيّات مثلا هناك مفهوم اللامتناهي le concept de l’infini ، ومفهوم العدد السلبي…

المفهوم والفكرة العامة هي من خصائص العقل، ولا علم ولا اختراع ولا لغة من دونها وبحسب قول “افلاطون” و “ارسطو” ” العقل هو القدرة على التفكير ليس بالشّخص الذي يدعى سقراط ولكن بالانسان (سقراط).

  • Ø     الاشكاليّة الرّابعة: العوامل المؤثّرة في الذّكاء

ليس الذّكاء ملَكة مستقلّة، بل هو حصيلة تفاعل عناصر كثيرة: نوع التّربية – وطرائق التّعليم – وأساليب التنشئة – والاوضاع الشّخصيّة والاجتماعيّة للفرد – ونوع ثقافة المجتمع الضّاغطة – والحالة الصّحيّة الجسديّة والنّفسيّة – وقوّة الذّاكرة التي تختلف من فرد الى آخر – والمعطيات العضويّة (الدّماغيّة وغيرها) المختلفة من فرد الى فرد…

فالنّتائج المدرسيّة ليست بالدّليل القاطع على مستوى ذكاء الطّالب، وينبغي البحث – في حال التأخّر المدرسي- عن عوامل عديدة أخرى: كجوّ العائلة، وطرائق التعليم ومضمونه، وحال المعلّمين، والوضع الخاص الشّخصي للطالب…

والذّكاء ليس معطى ثابتا لدى الافراد، ومستواه ليس ثابتا هو الاخر. ثمّة إمكانات واسعة لتنمية الذّكاء وتطويره. فالانسان لا يستعمل سوى قدر قليل من طاقاته الذّكائيّة؛ وحتّى هذا القليل الذي يستعمله فإنّه لا يُحسن استعماله بالكامل.

إنّ الذّكاء البشري العملي والنّظري هو ملكة فطريّة تحتاج الى تنمية، فهناك كما ذكرنا عدّة عوامل تساعد على نمو الذّكاء سنذكر بعضها بالتّفصيل:

-         دور العائلة: يُلخَّص هذا الدّور في العلاقات السّليمة بين الاب والام والاولاد فإنّها توفّر شروطا صالحة من اجل نموّ ذكاء الولد. اما اذا كانت هذه العلاقات غير سليمة ومفككة… فإنّ نموّ الذّكاء عند الطّفل سيتأخّر فضلا عن العِقَد النّفسيّة التي تسيطر عليه.

-         دور المدرسة: عندما تكون طريقة التّعليم تقليديّة او حديثة فهذا شأن له أثره في نمو الطّفل العاطفي والفكري؛ والى ذلك فإن طريقة التّعليم تلعب دورا مهمّا في اكتشاف قدرات الطّفل وميوله وإمكاناته ما يساعد على تتبّعها وتنميتها.

-         الوسط الاجتماعي الواسع: يتنامى المجال الاجتماعي عند الطّفل بخروجه من الوسط العائلي والمدرسي الى مجال “الاخرين” من خلال علاقات صداقة وجوار، وزُمر ألعاب، فتتسرّب الى ذات الطّفل قيم وعادات وأنماط سلوك تُنمي امكاناته الفكريّة وتوجّهها في مسارات معيّنة، لذلك كانت العِشرة مجالا لاختبارات ذات أثر بالغ في نمو عواطف الطّفل وقدراته الفكريّة. وقد أكّدت دراسات علماء الاجتماع ان ذكاء الاطفال في البيئات البدائيّة يميل الى البراعة العمليّة، في حين ان اطفال المجتمعات المتحضّرة اوفر  حظّاً في تنمية خيالهم وإمكاناتهم الذّهنيّة؛ وقد أخذ أثر المعلّم الشّخصي والانساني في التّلميذ يتضاءل امام مؤثّرات وسائل الاعلام والاعلان والتلفزيون والانترنت.

اما سياسة الدّولة فإنها تشكّل الاطار التّربوي العام الذي تنمو فيه قدرات الافكار. فإنّ التعليم الالزامي والمجّاني الذي يوفّر للجميع شروطا وفرصا متكافئة، والرّعاية الصّحيّة المتوفّرة داخل المدرسة وخارجها، والمدارس المجهّزة بوسائل تثقيفيّة متنوّعة، فذلك من شأنه ان يوفّر للطفل شروطا نفسيّة تُحفّز إمكاناته الفكرية.

وفي فترات لاحقة تنفتح للشّخص مجالات الاندماج الاجتماعي المنظّم في نقابات وجمعيّات وأحزاب، ما يُتيح له فرصة الحوار والتّفاعل الفكري والعمل المنظّم من اجل اهداف محددة؛ فالفكر اوفر حظّا للنّمو داخل الجماعة وإن كانت مخاطر التقولب الفكري واردة، الامر الذي قد يثير ردّات فعل ومحاولات فكريّة إصلاحيّة متحرّرة ايضا من سلطة الجماعة.

-         العوامل الفيزيولوجيّة: يرفض علم الاجتماع فرضيّة الوراثة البيولوجيّة التي اعتمدها بعض الفلاسفة يتجاوزهم النّهج العلمي؛ فموقفهم يحمل نزعة عنصرّية إذ يعتقدون ان هناك عائلات واجناس مُهيّئة اكثر من غيرها بذكائها للابداع. فيرى علم الاجتماع ان التّمايزات بين الافراد والاجناس البشريّة مردّها الى اختلاف البيئات الطبيعيّة وبالتّالي الاحوال الاجتماعيّة؛ وقد سبق “ابن خلدون” علماء الاجتماع المحدثين الى  هذا الرّأي العلمي.

لكن اذا كانت الوراثة البيولوجيّة لا تفسّر الذّكاء، فإنّ الاحوال الفيزيولوجيّة للطّفل لجهة الصّحة السليمة او عدمها، والاعاقة الفيزيائيّة أو عدمها أيضا، وسلامة وظائف الغدد الصّماء، كل هذه العوامل تلعب دورا مهما في نمو الذّكاء خاصّة والشّخصيّة عامّة.

-         العوامل النّفسيّة او الشّخصيّة: يجب البحث عن أثر هذا العامل في جانبيه الفطري والمكتسب. فإن طباع الاطفال وميولهم وامكاناتهم الطبيعيّة من جهة، ومكتسباتهم التّربويّة من جهة أخرى تشكّل اساسا لنمو ملكاتهم الفكريّة. ونشير في مجال الاكتساب الى تجارب الافراد واحداث حياتهم وعلاقاتهم البينفرديّة وكل ما يكوّن التاريخ الفردي (اللعب، العمل، التّوازن العاطفي والفكري في الشّخصيّة…) ويبدو ان عامل الاكتساب أبلغ أثر في العامل الفطري في نموّ الذّكاء ونجاح الانسان؛ فالمهم ان يتوفّر للانسان توجيه صحيح لاكتشاف ملكاته وإرادة صادقة وخيار واعٍ؛ فلكلّ انسان مجال يمكن ان يبرز فيه ذكاؤه. وهنا تبرز اهميّة التّوجيه المهني في اكتشاف الملكات الفكريّة حتى لا تنطفئ العبقريات ويجب ان يتمّ هذا العمل التوجيهي في مراحل مبكرة، فتكون العائلة المثقّفة والمدرسة المتطوّرة والدّولة الحريصة على تنمية الابداع وتوفير فرص النّجاح في واجهة هذا العمل التربوي الواسع، ونكون قد حققنا على طريقتنا مبادئ افلاطون التربويّة.

  • Ø     روائز قياس الذّكاء الانساني:

القياس في العلوم الانسانيّة، هو مقارنة او تحويل الوقائع الى أرقام.

هل الذّكاء قابل للقياس؟

من المعروف انّه ليس لكل الافراد مستوى الذّكاء عينه، وفي مختلف المجالات. وكان الاميركي “كاتل” اوّل من وضع اختبارا، او رائزا” لقياس القدرات العقليّة عام 1890. الا ان اوّل اختبار يُعتد به، لقياس ذكاء الانسان بحسب سلّم ذي مستويات مُرقّمة، وبخاصّة ذكاء الاولاد بحسب اعمارهم المختلفة، هو الذي وضعه الفرنسي “بينيه” Binet مع مساعده “سيمون” Simon عام 1905. وقد قاما بمراجعته مرّتين: عام 1909 وعام 1919. فاشتهر هذا الرّائز تحت اسم “رائز (ب . س) test B.S

ولكن اوّل من وضع طريقة لتعيين مستوى الذّكاء، او حاصل الذّكاء (Q.I) كان الفيلسوف وعالم النّفس الالماني Stern”” عام 1912، انطلاقا من مقارنة (العمر الفعلي) الزّمني للفرد، بما اسماه (عمره العقلي).

إنّ نسبة العمر العقلي الى العمر الفعلي تعطينا حاصل الذّكاء وذلك بحسب المعادلة الرّياضيّة التّالية:

العمر العقلي     × 100 =  حاصل الذّكاء

العمر الفعلي

علما انّ 100 هي المعدّل الوسطي في مقياس يمتدّ من صفر الى 200 .

فإذا كان الحاصل يساوي 100 (I.Q=1)، اي اذا كان عمره الفعلي يساوي 8 سنوات، وعمره العقلي يساوي 8 سنوات فهذا يعني ان الفرد هو سويّ الذّكاء، اي ان مستوى ذكائه مناسب لعمره الفعلي: 8/8×100= 100.

وإذا كان الحاصل أكبر من 100 فهذا يعني انّ الفرد متفوّق بذكائه على أكثريّة الافراد الذين هم من عمره (هناك درجات في التّفوّف) مثلا 8/6×100=130 تقريبا.

واذا كان الحاصل اقل من 100، فهذا يعني ان الفرد متخلّف بذكائه عن اكثريّة الافراد الذين هم من عمره، علما ان الاكثريّة تقع في الوسط الواسع بين 80 و120.

(وهناك درجات من التخلّف اوالغباء): 5/6×100=85 تقريبا.

إنّ الرّائز الشّهير الذي وضعه “بينيه”منذ قرن تقريبا، تمّ تعديله وتطويره على يدّ علماء عديدين لاحقين، وبخاصّة عام 1916 وعام 1938، على يد الاميركي Terman الذي ادخل عليه مفهوم “حاصل الذّكاء” ومفاهيم جديدة اخرى. ولا يزال هذا الرّائز الى اليوم ساري التطبيق، مع تعديلاته في العالم أجمع: في المدارس والمصانع والشّركات والمؤسسات المدنيّة والعسكريّة…وقد أدّى وما زال يؤدّي خدمات كثيرة  في مجال تعيين ذكاء الافراد. وأهمّيته الكبرى تكمن في ربطه بين مراحل النّمو الجسدي، اي العمر الفعلي عند الطّفل او الولد، ومراحل نموّ ذكائه، اي عمره العقلي. وهذا ما توسّع في شرح خصائصه العالم “بياجيه”.

الا ان التجارب اظهرت ان هذا الرّائز ليس دقيقا تماما. فقد ادى في بعض الحالات الى تصنيفات خاطئة؛ ويعود ذلك في الاساس الى اعتقاد “بينيه” وخلفائه بوجود “ذكاء خالص” مستقلّ عن الثّقافة والمعارف المكتسبة وعن طرق اكتسابها! وهذا ما جعل “بينيه” يطبّق الرّائز عينه، طارحا الاسئلة عينها، على كل الاولاد الذين لهم العمر الفعلي عينه، في كل مكان وزمان، من دون الاخذ بالاعتبار ظروف كل واحد منهم الشّخصيّة والبيئيّة المختلفة.

والحال ان هذا “الذّكاء الخالص” الذي سبق اكتساب المعارف، هو مجرّد افتراض، ولا يظهر في اي تجربة حياتيّة فعليّة. ففي الواقع لا يمكن فصل الذّكاء عن الثّقافة المكتسبة.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s